محمد كرد علي
79
خطط الشام
والأدبية ثم معالجة موضوع واحد : « إذا كانت القرون الوسطى قرون التعميم في التعليم ، فإن هذا العصر عصر التخصص . فقد اتسعت معارف البشر النظرية والعملية فدعت الحاجة إلى أن يقسموها بحسب استعدادهم وحاجاتهم إلى أقسام ينقطع إليها أفراد . فالأصول من المعارف هي المعلومات العامة وتفرعاتها هي الإخصائيات . كان بادئ بدء كل شيء مفهوما في الفلسفة ، فكانت لفظة عام عند الأمم الجاهلة تتناول جميع العلوم ، وتنقسم إلى قسمين : المحسوسات والمعقولات . ودعيتا علوم الطبيعة وعلوم ما وراء الطبيعة . أما الصنائع اليدوية فلم تكن منظمة تنظيما معقولا ولا جارية على طريقة معقولة ، وكان أرباب الأفكار يحتقرونها فلا يمارسها إلا الصعاليك يخلفون في تعلمها آباءهم ، بدون وقوف على القوانين الميكانيكية أو الطبيعية التي كانوا يعملون بها على الدوام . ثم حسنت الحال بالتدريج ودخلت الأعمال في طور نظام ، وانتظمت العلوم الرئيسة . لا سيما الآداب والفنون وعلوم النظر والعلوم العملية أي التجارة والصناعة والحرف ، ونشأ الإخصاء في كل فرع من فروع هذه الطبقات . فالطبيب مضطر إلى تعلم أمور كثيرة ، ولا يخصي في تعاطي فرع واحد إلا في المدن ، أما في القرى فيمارس كل فرع من فروع الأمراض الباطنية والخارجية . وهكذا الحال في الأعمال التجارية والصناعية فإن كل حرفة أو مهنة تنقسم إلى أقسام . وقد دخل كل علم اليوم في دائرة الإخصاء حتى ما يلزم الطاهي والبائع من المعارف ، فأصبح من الضروري بالنظر لتكاثر أعمال البشر ، أن يزيد أبدا الإخصاء في كل علم وشأن . وإذا نظرت إلى الإخصاء من حيث العلم فإنه دليل الكفاءة وبدونه لا يكون عالم ، فان المبادئ الأولية من جميع العلوم هي ولا شك نافعة لكل الناس ، ومتى حاز المرء قسطا من هذه العلوم ورأى أن يتبحر فيها يجب عليه تعيين الموضوع الذي سينصرف إليه وبدون ذلك يتقدم المرء في عمله تقدما بطيئا ، ويخلط ويبقى متوسطا وإلى ضعف . والإخصاء ضروري أيضا في العلم العملي أي في المعامل والأعمال اليدوية وذلك للسرعة في الإنتاج وبهذا يرى أرباب معامل الابر والخياطة في لندرا أن في تقسيم الأعمال اقتصادا كبيرا .